أهم الأخبار
مروان الغفوري

مروان الغفوري

الأمر لا يتعلق بهادي

2016-08-21 الساعة 05:02م

البرلمان الراهن يعود تاريخ إنتاجه إلى ربيع ٢٠٠٣. في تلك الانتخابات حصل المؤتمر الشعبي العام على 3.4 مليون صوت من إجمالي 5.9 مليون صوت صحيح. وهي نسبة تعادل ٨٪ من سكان الجمهورية اليمنية طبقاً لـ”الإسقاط السكاني” ٢٠١٥. منذ ذلك العام أظهرت تلك النسبة حركة دينامية، وخسر صالح نسبة كبيرة من كتلته البرلمانية في حدثين جسيمين: ثورة ٢٠١١، وانقلاب ٢٠١٤. في دعوته الأخيرة للبرلمان حضر ٣١٪ من أعضاء كتلته البرلمانية، وذلك ما بقي له. بالعودة إلى الأرقام مرة أخرى فلا يزال صالح يحتفظ بنسبة برلمانية تعادل 2.8% من السكان!

يتحدث صالح، ومعه إعلاميون وساسة ومثقفون، عن الشرعية التي يملكونها، أي عن 2.8%!

لا يتعلق الأمر بهادي، بل بالأمة اليمنية وحقها وإرادتها وموقفها، وسيكولوجيتها.

أنا طبيب قلب، أعنى بالأرقام والأعداد عناية قصوى. الرقم قوة، يقول تشوميسكي. لنستخدم مزيداً من الأرقام:

في ٢٠١٢ بلغ السجل الانتخابي 10.2 مليون نسمة. أجريت انتخابات رئاسية فاز بها هادي، حائزاً 6.6 مليون صوتاً، أي 65.2٪ من إجمالي من لهم الحق في التصويت.

انقلب صالح على كل شيء، وتعود أول دعوة للحوار الوطني أطلقها الرجل إلى صيف ١٩٧٨. منذ ذلك التاريخ السحيق والرجل يدخل في حوارات غير منتهية، ولم يكن أحد يجرؤ على الانقلاب على التفاهمات سواه. كان هو بطل الحوار ونقيضه.

مؤخراً استخدم 2.8% في نزع شرعية 65.2% !

الرياضيات هُنا تجلي الفاجعة على طبيعتها، ولا تترك شيئاً للجدل الفارغ. يهربون من الأرقام، نعلم ذلك، ليس الأرقام وحسب، فهم يخشون أي تبسيط رياضي أو هندسي للمشكلة. يصرون على تحويل المسائل الحرجة إلى قضايا في الكلام، الكلام اللامتعين وغير القابل للتعريف. فالرجل الذي قدم نفسه اليوم كزعيم لليمنيين عبر حشد ذي طبيعة طائفية وعصبوية يعلم جيداً أن ذكر اسمه في عدن أو المكلا أو مأرب يعد جريمة أمنية قبل أن تكون سياسية! لا يأبه صالح

والمنتقمون لهذه الحقائق، فهم يرون ما يريدون وحسب.

الأمر لا يتعلق بهادي.

وقد سبق لصالح أن أخرج ذلك الحشد مرة لتأييد الملك، ومرة لشتمه. مرة لتأييد بيع الأرض للسعودية، ومرة للمطالبة بها. مرة لتأييد المبادرة الخليجية، ومرة لشجبها. مرة لقتال الحوثيين ومرة لتأييدهم. مرة لتأييد بقائه في السلطة ومرة لتأييد خروجه منها. الحشد نفسه، بآلية الحشد ذاتها، عبر المفاتيح نفسها. في المرة قبل الأخيرة جلب الجماهير ذاتها، وهي جماهير كبيرة بالطبع يستطيع الزنداني لوحده جمع مثلها، رافعين صورة الإمام عبد الملك الحوثي. هذا النهار وزعت عليهم علم الجمهورية اليمنية.

تعالوا نتذكر، فالأمر لا يتعلق بهادي بل بالذاكرة، بالحصانة الأخلاقية والعقلية معاً:

خرجت الجماهير في عدن ومدن الجنوب عشرات المرات. في كل مرة كانت الحياة تصاب بالشلل، وصارت كلمة “مليونية” من الكمات الأكثر شهرة في عدن، ربما لا يتفوق عليها سوى كلمتي “كوكا كولا وعاره”. التعليقات التي كانت تأتي من صنعاء حول مليونيات عدن لم تتجاوز تلك العبارات المتعالية مثل: الهندي علي سالم البيض، والصومالي باسندوه، وبلطجية الحراك الجنوبي! لا يرى صالح، والمنتقمون الذين يمجدون ذكاءه، في الظاهرة الشعبية اليمنية سوى “فلول”. هم فقط، وجماهيرهم فقط، الحقيقة والحق. وهناك حرب على الشعب اليمني، يقولون، فقط إذا وقعت صنعاء تحت النيران، لكن البلد الذي تحترق كل قرية فيه لا يهم.

هاجموا مأرب والجوف بصواريخ سكود على مدى شهور، ومدينة مأرب صغيرة وطينية، يكفي نصف صاروخ سكود لمحو نصفها! هم اليمنيون وحسب، وألمهم هو المقدس، هم الجموع ذات المقام، أما الباقون فكما تقول الأمثولة الصنعانية العنصرية: ريال تهامي! حتى الريال في تهامة واطئ القيمة.

علينا أن لا ننسى أن الجماهير التي تخرج ضد مالكي السلطة حقيقية أكثر من الجماهير المؤيدة للسلطة. هذه بديهية يبدو التذكير بها إهانة للقارئ.

الأمر لا يتعلق بهادي، بل بشرف الذاكرة، بالشرف الشخصي، إنها مسألة ذاتية صرفة، فلا تملك الحق في أن تسخر من ذاكرتي كما تشاء، الذاكرة معادل موضوعي للوجود، هي في المسألة اليمنية مكان أكثر منها تاريخ، وهي أيضاً آخر حصون الصحة النفسية..

حسناً، لنضع الأمور على الطاولة..

استطعت أن تحشد بشراً ملأت بهم شاشة الكاميرا. ما رأيك لو نلعب على الأرقام: بحسب وزارة حقوق الإنسان فقد سقط في تعز حوالي ١٧ ألف جريح تحت نيران صالح ـ الحوثي. لو حضر كل أولئك الآلاف من الجرحى، الجرحى وحسب، إلى السبعين وحملوا الأعلام لتعطلت الكاميرات! نحن نتحدث عن ميدان سعته الكلية ٤٠٠ ألف متر مربع، ويمكن لجريح يحمل عكازاً وعلماً أن يغطي مساحة ٥ مترا مربعاً.

هناك نكتة عن شاهد عيان رأى سيارة دهست مواطناً وفرت. سألت الشرطة الشاهد عن رقم السيارة فقال ببطء: خمسة ألف وتسعمية وااااا .. قول ستة ألف.

يريد صالح، والمنتقمون، أن يسلقوا كل شيء بماء بارد، كل شيء، بما في ذلك التاريخ والجمهورية والدولة، والوطن. في أواخر الثمانينات أمر صالح بإضافة ٣٠ ألف اسم إلى كشوفات محافظة مأرب لكي تبدو محافظة كبيرة، أسوة بالمحافظات الأخرى.

لن تسلقوا كل شيء، نحن لسنا جيلاً من القردة العُليا.

ثمة فئة أفقية عاشت في صنعاء مستريحة لسلسلة من التوطؤات السياسية والأخلاقية. جاءت الثورة بشبابها وجيلها الجديد فخربت عليها مكاسبها. فقد تعلمنا من درويش أنه، في زمن ما، يكون: هجاء الوطن، كمديح الوطن/ مهنة مثل باقي المهن. شكلت لهم الثورة أزمة نفسية، قبل أن تربكهم معرفياً! في المرحلة الثانية، أو الثالثة، انقسموا: استطاعت جماعة الاقتراب من دائرة هادي، وبدا أن وضعها العام صار أفضل. لكن هذه الفئة نالت كراهية، واحتقار، شريحة أخرى. الأخرى، تلك، راحت تلعب باللغة والمفاهيم، وتخرب المنطق بمنطق نقيض متهالك ورث. وصل بها الأمر حد تمجيد مناورات صالح، ثم شوهدت أخيراً وهي تزحف إلى السبعين. من الصعب تنفيذ نقاش موضوعي علمي مع هذه الشريحة، فهي تدرك جيداً طبيعة المشكلة، لكنها تزيف وجه المعركة، تزيف وجه كل شيء انسجاماً مع دوافعها النفسية الانتقامية. تلك مسألة لن يحسمها النقاش الموضوعي، بالمرة. فالتربيون يلقون على تلاميذهم تلك النصائح الثمينة على شاكلة: من اقتنع بعكس ما يريد يصر على رأيه السابق!

الأمر لا يتعلق بهادي، بل بأمة كبيرة من الناس لا يملك أحد الحق في أن يعبث بمصيرها، لا ملك ولا زعيم ولا جنرال ولا رجل دين، لا المذهب ولا الموتى، لا الأشجار ولا حطب الجبل. إنها أمة، بملايين عديدة، وهم ثلة متنطعة على هيئة رابطة مصالح تعتقد أن اليمن ليس سوى تلك المساحة السوداء الممتدى من شارع السبعين حتى المطار! ذلك تجمع سكاني واحد ضمن حوالي ١٣٠ ألف تجمعٍ سكاني. لا يعلمون شيئاً، بالمطلق العريض، عما إذا كان مليونا إنسان في الحديدة يحصلون على الطعام أم لا؟ وما إذا كانوا يموتون جوعاً، أو مرضاً، أو ما إذا كانوا يستحقون أن يعيشوا أطول!

هناك فقط، في المركز الطائفي، يعيش اليمن، وهو اليمن الذي يؤلمهم، اليمن الذي يشتاقون له، اليمن الذين يشكونه للعالم، اليمن الذي يبنون فيه الجامعات ومدارس اللغات والجسور، اليمن الذي تعيش فيه المنظمات وترصده، وهو التاريخ والديانة، هو الكتاب والأغنية، وحتى لهجة نسائه هي أفضل اللهجات، ولولا مكر الطبيعة لكان إرب رجاله أعظم الآراب، وحتى لهجته هي التي تدرس في كلية الأمن والجيش!

الأمر لا يتعلق بهادي، بل بأمة حكم عليها بأن تعيش”رعوية”، نائية عن الجيش والقرار، كما يذهب ياسين سعيد نعمان. وتلك رواية/ معادلة تاريخية لم تعد قابلة للحياة، لا الرواية ولا أبطالها..

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص