أهم الأخبار
عبدالله السعدون

عبدالله السعدون

هل ابتلع اليمن الطعم؟

2015-02-25 الساعة 10:41ص

وضعت إيران استراتيجيتها في المنطقة منذ قيام الثورة الإيرانية وبدأت بتنفيذها بكل صبر وأناة، استراتيجية أساسها التوسع مستخدمة الطائفية، ويشرف على تنفيذها الملالي في قم، تبدأ أول الخيوط بالتدخل في البلد من خلال البحث عن قائد طموح من طائفة غير سنيّة توحي لأفرادها أنهم مضطهدون، بدأته في لبنان حين أسست حزب الله ذراعها العسكري في المنطقة، كما راهنت على رئيس سورية السابق حافظ الأسد ثم دعمت بكل قوة ابنه بشار رغم دمويته وجرائمه البشعة بحق شعبه، وراهنت على المالكي في العراق، واليوم تعيد نفس السيناريو في اليمن، وقد بدأت أولى الخطوات في عام 1992 حين استضافت الشيخ حسين الحوثي مؤسس الحركة الحوثية في صعدة، واليوم أصبح لهم حزبهم (أنصار الله) وبدأوا بتأسيس ضاحيتهم في صنعاء. عرفت اليمن جيداً بعد أن أقلعت ذات صباح ربيعي جميل ضمن سرب من الطائرات المقاتلة إلى اليمن، كانت السحب تغطي جبال اليمن العالية ومنها جبل براش المطل على صنعاء وكأنه موكل بحراستها.

الطائرات منحة من المملكة لليمن، كان ذلك في عام 1979بعد تولي الرئيس علي عبدالله صالح بعام واحد، وجدت صنعاء جميلة ووادعة، لا تجد فيها ما يعكر الأمن سوى كثرة نقاط التفتيش، ثم زرتها في عام 2009 وأحزنني ما رأيت، اختفت الأرصفة من كثرة السيارات وكثرة المتسولين عند الإشارات، وتراجعت العملة اليمنية كثيراً، وأصبح القات هو السلعة الرئيسة في الأسواق، تذكرت مطعمي المفضل والذي تديره سيدة يمنية شابة تشبه صنعاء، طالما تناولت وزملائي عندها "السلتة" وهي وجبة يمنية مشهورة مكونة من اللحم والحلبة الخضراء تقدم مع الخبز البلدي الطازج، زرت المطعم فجدت صاحبته وقد شاخت واشتد بها المرض وزاد وزنها وتجلس على كرسي في مدخل المحل تصدر أوامرها فلا يسمع أكثره كصنعاء تماماً.

حينها عدت إلى المملكة حزيناً وكتبت مقالاً في الشرق الأوسط عنوانه "خوفي عليك وخوفي منك يا يمن" وحذرت في مقالي من مستقبل مظلم يسير نحوه اليمن. وزرت اليمن في عام 2013 ضمن وفد البرلمان العربي فوجدت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، وزرت منتدى الحوار ولاحظت أنه لم يؤخذ مأخذ الجد، أكثر الحاضرين إما يعبث بهاتفه المحمول أو يتحدث إلى الجالس بجانبه، رغم أن الحوار هو الحل الأفضل لمستقبل اليمن.

وبعد العودة كتبت مقالاً في جريدة الرياض عنوانه"الحوار يا يمن الحكمة" وقلت فيه: أمام اليمن خياران: إما التفكك والطائفية التي تغذيها دول طامعة لتكون نهاية المطاف حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، أو أن يصبح اليمن نموذجاً للوحدة الفدرالية كما هو في الإمارات العربية المتحدة وسويسرا ودول أخرى كثيرة غلّبت المصلحة الوطنية على الطائفية وتخلصت من الولاء لدول لها مطامع توسعية على حساب استقرار البلد ورخائه، واليوم يسير اليمن بسرعة إلى هاوية سحيقة مالم تتخذ الخطوات الآتية:

أولاً. الوجود الإيراني في اليمن سرطان ينهش في جسم منهك، وتستقطب إيران حالياً حوالي خمسة آلاف طالب يمني يدرسون في قم من مختلف المذاهب، لذا يجب أن تحارب بنفس الأسلوب الذي تستخدمه وهو وضع استراتيجية بعيدة المدى تنفذ على مدى أربعين سنة قوامها استقرار اليمن وأمنه، ومواجهة النفوذ الإيراني واستقطاب أعداد كبيرة من أبناء اليمن المتميزين في جامعات دول مجلس التعاون والدول العربية وابتعاث آخرين إلى جامعات الدول الأخرى ليعودوا إلى بلادهم قادة في شتى المجالات، كما أن نشر المدارس ودعمها في اليمن رغم الظروف الأمنية الصعبة ضروري لمحاربة الجهل والفقر والمرض ومنع صغار السن من الالتحاق بالمنظمات الإرهابية، كما يجب تأهيل اقتصادها ليصبح الرافد ليمن قوي مستقر، فاليمن يمتاز بموقع استراتيجي متميز ومناخ معتدل وعنصر بشري شاب يمكن تدريبه ليصبح أهم الجاليات التي تعمل في دول مجلس التعاون.

ثانياً. على اليمنيين أنفسهم أن يأخذوا العبرة مما يحدث في سورية فبدل أن يتنحى الأسد ويسلم السلطة بصورة سلمية في الأشهر الأولى للانتفاضة الشعبية قامت إيران بدعمه ومنعه من التنازل، واليوم أصبحت سورية دويلات ومكاناً ملائماً للمنظمات الإرهابية يفد إليها المقاتلون من كل أنحاء العالم، وأصبح نصف سكان سورية يعيشون في مخيمات داخل الوطن وخارجه، وصارت قوارب اللاجئين تغرق قبل وصولها إلى سواحل أوروبا، لقد كانت اليمن تسير على الطريق الصحيح في الأخذ بمبادرة دول مجلس التعاون واستمر الحوار مدة سنتين إلى أن تدخل الحوثيون ومعهم الرئيس السابق وأنصاره لبعثرة الأوراق وإدخال اليمن في نفق مظلم.

اليمن أمامه خيارات كثيرة لكن أكثرها وضوحاً خياران إما أن يتحول اليمن إلى سورية ثانية، بؤرة صراع رهيب يأكل الأخضر واليابس، أو خيار الإمارات العربية المتحدة وسويسرا وغيرها من الدول التي أخذت بالفيدرالية وجعلت المواطنة فوق كل مذهب وطائفة وحينها ينتشر العلم والأمن ويتم التركيز على الاقتصاد القوي.

على اليمن أن يختار بين العيش في القرن الواحد والعشرين حيث لا مكان للطائفية والقبلية، بل المواطنة واحترام الإنسان هما الأساس، أو أن يتبع إيران ومؤيديها ويعود إلى الماضي البعيد ونبش الخلافات التي حدثت قبل ألف وأربع مئة عام.. فإما السعي لتغييّر العقول أو أن تكتفى بكتابة الموت لأمريكا وإسرائيل مع أن المعني هو اليمن السعيد.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص